….

الآن.. هنا , الساعة الثانية وخمس وأربعون دقيقة يوم الخامس من أيار , تآويني جدران غرفتي التي أشبعت برائحة البارود..

الأن.. هنا , كان عليَّ أن اكتب آخر رسائلي .. أنا الكائن المرهق الموؤود المشبع بالحقد والوجع والذل , كان عليَّ أن أكتب عن الأشياء جميعها التي تشكل بمجموعها اللاشيء فقط كي أستطيع النوم الليلة..

يوم واحد ..أفقد فيه قاعة محاضراتي , صديقي , زجاج شباك غرفتي , أملي , وقدرتي على مغادرة عتبة المنزل..

عام واحد .. عام واحد على ثورة الحرية , أفقد ما تبقى من حريتي..

نظرة واحدة على كل ما حولي وأدرك.. وطني خسر قضيته , فرصته الوحيدة في ثورة حقيقية تعيد رسم ملامحه من جديد. سورياي جلست تنتظر أملها بزوبعة تضرب أركانها الأربع , فتعيد تكوينها بما يجدر بها , وطناً لا مثيل له في طول الدنيا وعرضها… فكبّرت أطفالها ليصبحوا شباباً يقاتلون لأجلها , فخسرتهم هنا , وهنا.. خسرتهم لأجل شيخ سلفي وعد أعوانه بحوريات الجنان .. ووعد نفسه بكرسي في السلطة, يخوله أن يحلل مضاجعة زوجته خلال ست ساعات من موتها…!!!

الثورة… هذا العنوان العريض الذي يخط بالحبر ويحال واقعاً بالدماء…كان عليّ مرغمةً أن أصمت فلا أقرب بهمسة مرهقة الكينونة المقدسة للفكر الثوري.. فالثورة التي لطالما زلزلت أمماً وأعادت خلقها من جديد .. كانت ولا تزال هذا الاعصار المنبعث من أرق الأرواح .. من خفقات الخوف والنقم والتعب والاحتياج, الصيحات المتفجرة من حجارة أعتق زقاق لتهز العروش خلف الجدران العالية…

الثورة..هي خلاصة ما يتمناه هذا الكائن المقهور الذي ومذ خلق , تعلم ان ينضح دماً لأجل البقاء في عالم تمتص فيه العلقات قوت روحه… هذي الثورة بكل أبعادها , هي أقدس من أن يقرب من اسمها ما يحصل اليوم في العالم العربي..

الثورة أيها “المستثار” بفعل قصيدة أو عنوان في الصفحة الأولى .. الثورة ليست هتافاً لا يرتد صداه أو رصاصة تخترق دماغ كل من يخالفك الرؤية.. والثورة ليست فعلاً مضارعاً “تفتعله” وتجلس لتتابعه من بعيد.. فالثورة قبل أن تصبح حاضراً يتوجب أن تنطلق من الماضي لترسم المستقبل.. لا أن تنفي ماضيها لتترقب وتنتظر هذا الغد..

والآن…ولأن حديثي الوحيد هو سوريا. فإن ذكر ما دعي بالثورة السورية, واستعراض صور دمشق خلال اليومين الماضيين , يجعلني أستحضر كل ما حصل في بغداد خلال السنوات الثمان الماضية , ويجعلني أدرك أن العدو الذي خسر الملايين من ثروته والآلاف من جنوده على أرض العراق ليس من الغباء بحيث يكرر خطأه مرة ثانية ويدخل حرباً تستنزف قواه..

وأن أوطاننا _دول العالم الثالث_ التي اعتادت كونها ساحة صراع القطبين الاشتراكي والرأسمالي.. تدفع اليوم غرامة كشف شعبها عن نفسه, فقد جعل أعداءه يدركون تماماً أن العربي الأصيل المنحدر بأخلاقياته العالية من قيم كالعصبية القبلية والأخذ بالثأر , لم ولن يتغير, وأن السلاح الوحيد الذي بإمكانه أن يكون أكثر فتكاً من قنبلة ذرية هو حرب أهلية يشعل شرارها فتوى طائفية من شيخ سلفي ما بحجة رفع لواء الدين الحنيف…

ولكن .. ما لا يريد تصديقه كثيرون , هو أن سوريا بلد علماني رغماً عن البشرية جمعاء , فالقارىء لتاريخ هذه البلاد الممتد إلى آلاف السنوات , يدرك استحالة قدرة جماعة من ذوي اللحى الطويلة طمس تفاصيل أرض وقفت عليها ملكتها زنوبيا مشرعة زندها الأبيض من تحت العباءة الرومانية الأرجوانية , متحدية.. هي المرأة السورية الشامخة, عرش روما لتزلزله بكبريائها… أيظن أحد أولئك المرضى أننا سنسمح له بأن يدنس عرشها!!

أرض نطقت الآرامية والآشورية والفينيقية والسريانية والأرمنية والكردية تماما كما نطقت العربية فافتخرت بمن ربّت من أبناءها سواء من أقوام ما قبل وجود الإله , أو من حفدة الأنبياء , فاحتضنت تلاميذ السيد المسيح كما احتضنت أئمة الإسلام..أحقاً يؤمنون أن بإمكانهم تهجير هؤلاء .. أو تسميم أرواح أولئك بخرافاتهم..؟

لم أصدق يوماً احتمال طرحي لهذا السؤال.. كنت مؤمنة أن هذا الشعب الذي درست معه على نفس مقاعد الدراسة, قد رسخ في ذاكرته بعضاً من وثائق هذه الأرض فيدرك على أي أرض هو.. ويدرك من أي أسلاف ينحدر..

كلا أيها السوري.. أنت لست من سلالة قريش فقط.. أنت حفيد سرجون وأليسار وجوليا دومنا وزنوبيا… أنت الذي يوقظك قرع أجراس كنيسة ماريوحنا المعمدان في آخر الشارع. وأنت الذي تقفز إلى شبابك رغماً عنك لتشاهد الدبكة الكردية تجول الشارع قبيل أي احتفال.. وأنت الذي لا تستطيع منع نفسك من الابتسام لعجوز درزية غطت رأسها بذاك الحجاب الأبيض المميز… أنت وحدك تبارك لأصدقائك في عيد الفصح ثلاث مرات في الشهر ذاته .. فيوم للأرثوذكسي ويوم للكاثوليكي ويم للأرمني..

لذا .. رغماً عنك .. أنت لست تابعاً لعقيدة أو مذهب أو عشيرة. أنت السوري.. السوري فقط, المدين لسوريا بكل ما أنت عليه , حتى الضعف والقهر والوجع.. وجميع ما يجعل منك ..أنت.

أنت الثائر.. الثائر الحقيقي, صاحب الأرض والوطن , أنت الذي حين ستفكر بضرب رجلك بالأرض ثائراً.. ستميد وتهتز تحت قدميك , وحينها لن تحتاج تمويلاً خارجياً وسلاحاً أجنبياً …

ستكون ثائراً.. يستند إلى كتف أخيه ويصعد .. ليحمل علمه. علمه الذي تعلم رسمه في طفولته وتلذذ بتلوينه بالترتيب الذي اعتاده..

ولأنك حفيد يوسف العظمة الذي خرج بثلاثين جندي ليقاتل أعظم جيش في العالم … لن تدوس رقبة أخيك وتتخطو على جثة صديقك لكي ترفع علماً مقيتاً رفعه الجنرال غول على جثة يوسف العظمة معلناً بدء الانتداب الفرنسي , لتبحث في خفقاته عن حريتك…

..

الآن .. هنا. الساعة قد واشكت الرابعة فجراً , يعلو صوت الأذان مكبراً , فيما لايزال صوت الرصاص يتردد في مكان ما في المدينة عقب تفجير كان قد وقع قبيل بضع ساعات..

والآن .. هنا. أنا الكائن المرهق الموؤود الذي شعر اليوم لأول مرة مدى غربته ووحشته.. كان عليّ أن أكتب عن الأشياء جميعها .. لا لشيء سوى لأستطيع النوم الليلة..

فبعد أن كانت الشام شآمي .. وطرطوس أمي , وحلب غرفتي وخزانة دماي وألعابي , أصبحت المدن الثلاث الأحب إلى قلبي , مخزن رصاص ينتظر أن يفرغ ثقله في شرياني…

..

..

إلى كل من ذهب بالصوت وصدى الصوت .. إلى كل من داس بقدميه بضعاً من فرح , إلى كل من أحاط بنتانته وقذارته مسحة الطهر في الأرواح.. وأغمد في صدر الحرية نصل ألف سيف مسموم .. : اقرأ التاريخ.. فأنت وحدك إلى الجحيم .. وسوريا .. الأبقى .. الأقدس .. الحرة مذ وجدت…

****

خاتمة : شهر واحد .. وتتمم هذه المدونة عامها الثاني

عامان .. كانت لي “لولا فسحة الأمل …!” منبراً لكثير من الهذيان.. هنا نضجت كثيراً وأدركت كثيراً وتعلمت كثيراً وقابلت كثيرين ممن يتوجب عليّ لربما شكرهم..

سمر عبد الجابر… التي لم تكن هذه الفسحة لتتواجد لولا دعمها لي منذ عامين..

مي سليمان.. التي أعادت لي بعضاً من رمقي خلال هذا الشتاء الطويل , وبثت في هذه الفسحة كثيراً من روحها الجميلة..

وعموماً فإن شخصاً يلخص وجوده بقلم وبضعة أوراق, يؤمن أنه يخط قدره بيده , ففخري أنا لعنة الكتابة هذه..

ولكن الدرب طويل جداً , وأنا سيكون عليّ أن الارتحال طويلاً قبل أن أعود وأخبّر..

لذا النص أعلاه هو آخر ما سينشر في هذه الفسحة… وستغلق هذه المدونة تماماً..مع ثقتي التامة أني سأجد لي فسحة أخرى , أخلد فيها وبها..

محبتي

هلا

 

Advertisements

8 تعليقات to “….”

  1. أحمد Says:

    إنها رائعة كروعة بلادي , جميلة كجمال وجهك الوضاء في عز صباك,صافية كلون عينيك تحت سماء زرقاء صافية,متجذرة كتجذر سنديان بلادي , أصيلة كأصالة سورية التاريخ السبع آلافِ, وطنيةٌ كوطنية أكثر شباب بلادي ,,,شكراً لك..حفظك الله وأدامكِ
    ,وإلى الأمام لتتربعي تحت ضوء الشمس كاتبة, أديبة, سورية عربية ……!!! أبوكِ…

  2. Ahmad Yaz Says:

    ومحبتي لك يا هلا، شكرا لكل ذلك الهذيان المقدس ..

    لسوريا الجميلة، للحلم الذي ولد هناك دون أن ألمسه، أفتقد تلك البلاد دون أن أراها.

    • fs7atamal Says:

      كل ما أردت الاشارة إليه هو أن حلمنا هو بالفعل نقدس.. الأقدس..
      أقدس من أن يلوثوه بإرهابهم..
      يبدو أن الفكر وصلت
      شكرا لمرورك أحمد
      أتمنى أن تتابع التجمع ” إلى دمشق” http://4dimashq.wordpress.com/

  3. محمد ديوب Says:

    هذه أول مرة أدخل فيها هذه المدونة , و إن كان هناك ما يواسيني , فهو انني سأقرأ لك في “إلى دمشق”

  4. سمر عبد الجابر Says:

    اشتقتلك.
    ممنوع توقفي تدوين..
    هو دخول التدوين زي خروجه؟

    هلّولة.. خليكي قوية..
    واكتبي كتير..

    • fs7atamal Says:

      هلأ أنا وقفت تدوين هون… بس فعلياً بلشت مع فريق عمل “إلى دمشق..”
      بعدني حاطة اللينك..
      امممم
      شو مشان مشتاقتلك كتير!

  5. سمر عبد الجابر Says:

    مشتاقتلك أكتر
    لازم نحكي قريبا
    كوني منيحة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s