بيلسان.. على هامش النغم..

يا زمان.. يا عشب داشر فوق هالحيطان..

السابعة صباحاً… أرخي رأسي على شباك الحافلة.. الحافلة ذاتها التي تنقلني يومياً مسافةً لا تقل عن نصف ساعة من مركز المدينة إلى أطرافها, وعودة..
أمر بالشوارع إياها.. ألتحم معها في عناق صباحي مطول , إلى أن تختلط أضلاعي بأرصفتها وأسوارها وحجارتها…
لم أدرك قبل حكاية عشقي لهذا المكان.. أذكر أني لطالما كرهت هذي المدينة بأكملها, شتمتها, تمنيت أي طريق للهروب دون عودة..
يرفع السائق الصوت , وسواء أدركت النغم أم لا .. لا يهم. الصوت الوحيد الذي أسمعه هو صوت فيروز والأغنية ذاتها في رأسي منذ شهور ولا شيء سواها..
يتسرب اللحن الرحباني ليخلع عن المدينة زيفها وسكانها وتلوثها وقبحها.. يختلط النغم بتفاصيل المكان.. يجبرني أن أعشق هذي الأبنية المعتقة والأرصفة المتهالكة.. الحجر الذي يجالسه عاشقان.. السماء الساكنة أبداً.. أفق البيوت المتزاحمة شبه المتهالكة…
أعلم يقيناً أن إلهاً ما يسكن التفاصيل…
ضوي قناديل وانطر صحابي..

أجالس زاويتي المعتادة بصمت… وأقنع كبريائي بأني أنا من اختار هذا الصمت..!
أحاول أن أنصت في الزحام للنبض المنبعث من جوف الأرض…الصرخات العالية تصم إذناي لدقائق معدودات قبل أن تبتلعها الرياح, صيحات مؤرقة لمن ظنوا أن بإمكانهم إسكات الهمسات المنبعثة من صميم هذا الوجود..
ولكن, في كل زاوية أو درج أو شرفة ومن كل مخبأ.. ورغم الأيدي المبتورة والظهور المثقلة ونبضات القلب المنهكة التعبة.. هناك من يدندن لحناً أو يتلو قصيدة أو يرسم لوحة أو يضيء عود ثقاب..
ولكل منهم قصته ليتلوها.. لأجد نفسي أصغي للحكايات .. بشغف لا شفاء منه..
أخبرني مرة صديقي الذي غادر أفقر أحاء المدينة وانتقل إلى أوروبا..أن الحنين إلى الوطن في المغترب أهون من أن تحن إلى وطنك وأنت مقيم فيه..وأخبرني أبي أن عالمنا حقير تحكمه شريعة الغاب..أخبرني البرغوثي أن : “الأمل ذروة اليأس يا صاحبي”.. وأخبرني التاريخ أن الأشياء جميعها تدور حول الأنا.. وأن الإنسان يحيا لأجل كبرياءه فحسب..
الأنا في مواجهة الفقر.. أنا في مواجهة القدر ..أنا في مواجهة أبي الذي راهن على فشلي..أنا في مواجهة دعوات أمي .. أنا في مواجهة شهواتي .. أنا في مواجهة من يسلب حقي .. أنا في مواجهة العالم كل صباح في محاولة للبقاء..
أخبرني أحدهم أن طلال حيدر كتب “وحدن بيبقوا” إلى شبان اعتادوا المرور بشرفته قبيل استشهادهم في عملية فدائية..
..
..
..
اللحن مؤلم للغاية .. إلا أنه جميل..
ومنذ أن كنت صغيرة جداً أقنعت نفسي أني أكره هذا العالم.. وأن المحاولات اليائسة لا نفع فيها .. كرهت الربيع ولازمت صباحات كانون. ومازلت حتى الآن أرى أن جميع المبادئ والأخلاقيات والخطوط العريضة هي محض هراء وأن عالمنا يعج بالقبح والقذارة..
إلا أنني على يقين أن كماً من الجمال مازال يسكن الأشياء.. وأن الأغنية المرافقة لفنجان القهوة صباحاً .. الفيلم الذي شاهدته البارحة والشخص الوحيد الذي أسند رأسي إلى صدره كل ليلة ..جميعها قادرة على جعلي أثق بالغد.. بالحق .. بالوطن .. بالحب .. وقبلها جميعاَ, بالإنسان..

كمشة ملاحظات:
1. أختي الصغرى ترجوني منذ فترة أن أكتب شيئاً تستطيع فهمه أو شيئاً لا تجده مملاً..
صدقيني .. الهذيان أعلاه محاولة لفهم الأمور لربما تتمكنين أنت في عمري من الكتابة عن الربيع والحب والحياة..
2. يوماً ما سيكون لي طفلة بعينين لوزيتين خرافيتين وسأدعوها بيلسان..
3. مازالت هذي المدونة تحاول التخلص من مسحة الكآبة.. أحاول جهدي ولكن الأمر أصعب مما يبدو..

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , ,

3 تعليقات to “بيلسان.. على هامش النغم..”

  1. Salim Zeroual (@salimboy) Says:

    إياك و التخلص من الكآبة .

  2. Ahmad Yaz Says:

    اليوم عرفت منك أنه لكل شخص طريقته خاصة في الأمل بعيداً عن المفهموم التقليدي، الهذيان المستمر لنزع الصورة الموجودة نوع من الأمل .. كنوع من المواجهة، تفرد بإمتياز يحمله كل شخص منا في داخله .. بالمصري: يا لهوي ع الجمال !

  3. nawar youssef Says:

    “إلا أنني على يقين أن كماً من الجمال مازال يسكن الأشياء.. وأن الأغنية المرافقة لفنجان القهوة صباحاً .. الفيلم الذي شاهدته البارحة والشخص الوحيد الذي أسند رأسي إلى صدره كل ليلة ..جميعها قادرة على جعلي أثق بالغد.. بالحق .. بالوطن .. بالحب .. وقبلها جميعاَ, بالإنسان..” . . . .
    هالمقطع لخص مبادئي مع الحياة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: