موزاييك ثورة

أتعبني صمتي في أحد عشر شهرا مضى .. لأنني في وسط الهرج والمرج ومعمعة هذي الضوضاء المؤرقة لم أفعل سوى افتراش سوريا والإصغاء إلى صوت الألم في جوف هذي الأرض..

****

أردت فكرة سعيدة.. أي فكرة بوجه إيجابي. نقبت و”بحبشت” وبحثت وبحثت وبحثت عن الفكرة السعيدة.. وكأن التالي بقلم الرصاص على الورقة المصفرة:”.. الشعب السوري يستحق الاحترام لأنه(بشقيه المؤيد والمعارض) وقف ودافع عن مبدأه حتى آخر رمق..”
كلا..
كلا..إن الشعب السوري (بشقيه المؤيد والمعارض) والذي عايشته يوماً بيوم منذ بدء هذه الأزمة.. هذا الشعب هو عاري, وعار سورية منذ أن أصبحت سوريا, لأن فكراً مريضاً جعل إيمانه الوحيد وعقيدته المقدسة ومبدأه الذي يستحق الكفاح والموت في سبيله هو الطرف الطائفي الذي عاضده يوم نشأ خلاف بين الخلفاء الراشدين منذ حوالي 1400 عام..!
فكما بالأمس بنوا الدولة الاسلامية العظمى على جثة حفيد رسول الله , اليوم سيبني “ثوارنا” سورية الحديثة .. سوريا الكرامة و “الحرية” على أشلاء السوريين الذين تلون العاصي بدمهم لكي ينعم “ثوارنا” بالسلطة..!
..
..
شكراً للتاريخ

****

عزيزي المراهق الثورجي الذي نال الشهادة الثانوية البارحة فحسب لكي يصبح اليوم “جيفارا الثورة السورية” اسمح لي فقط أن أذكرك أنك في سنوات تعليمك الثلاث الأخيرة “على الأقل” كنت تفوت حصة التربية القومية الاشتراكية لتستطيع تدخين سيجارتك في الفناء الخلفي للمدرسة. فلو أنك حاولت حضور إحدى تلك الصفوف لعلمت أن العلم الذي رفعته البارحة عوض علمنا السوري هو علم الانتداب الفرنسي..

****

وانطلاقاً من رغبة ثوارنا في إعادة بناء سوريا من جديد: فالحافلة المنتقلة من شمال سوريا إلى جنوبها لم تمر اليوم بحمص أو حماه ولم تقطع جسر الشغور.. توقفت مراراً على الكثير الكثير من الحواجز.. وفي مدخل القرية , حيث تطل شامخة المدرسة المسماة باسم البطل الذي استشهد في حرب الاستنزاف التي خاضتها سوريا ضد اسرائيل لم يبدو المشهد مصدر فخر وبهجة كما كا ن دوما بل تبدل بمشاعر الحرقة والغيظ فيما يلي المدرسة منزل أمجد.. صديق الطفولة الذي استشهد على يد قذر متطرف لم يفقه للثورة معنى ولم ير لها وجها سوى ما جعله هو وأمثاله حرباً أهلية كان ضحيتها شاب أعزل في التاسعة عشر من عمره لأنه خالفه العقيدة.

****

أنا أيضاً أردتها ثورة .. أقسم أني أردتها ثورة تطيح بكل ما دنس تراب سوريا من فساد وقبح وقذارة..
رفضت تماماً أن ترفق سوريا باسم الأسد لقناعتي أن الأسد ليس من صنع سوريا وإنما سوريا _ومنذ أول التاريخ_ هي التي صنعت الأسماء جميعها.. فزبوبيا, سرجون, الأمويين , العباسيين , الحمدانيين, يوسف العظمة , ابراهيم هنانو , محمد علي العابد , الياس خوري , الحزب الشيوعي والقومي والديموقراطي وحزب البعث بل وحتى نزار قباني وأدونيس والماغوط..
لكن جميعهم مضوا وستبقى سوريا.. ولأنها التاريخ فستكون الغد .. ولأنها الغد, فسوريا بحاجة إلى الشرار الذي يغسلها ويعيد ألقها.. ولهذا , فأنا أردتها ثورة..
ولكن كذبة ما ابتدعها البعض وصدقها , لا يمكن أن تكون ثورة.. لأنها ليست ثورة .. أقسم أنها ليست كذلك..

****

رؤى زيات , حلا كامل , سمر عبد الجابر , مي جان , هيفين عمر , فيصل الحاج :
ألم تمعنوا النظر في سوريا مؤخراً..؟!
ألم تستيقظوا الاسبوع الماضي على صوت تفجير السيارة المفخخة قرب منزلكم وتشهدوا الأشلاء الدامية المبعثرة؟!
ألم تروا بأعينكم فرار سيارات “الجيش السوري الحر” وتبعثرها في أنحاء المدينة فيما أعقب التفجير؟!
ألم يشهد أحدكم جنازة الوطن يوم وصل صديقك مقطعاً إلى أشلاء ومودعاً في صندوقٍ بناءً على فتاوى شيخ سلفي ما.. فيثأر “ثوارنا” الارهابيون ممن خالفهم الرأي أو الطائفة..؟!
ألم يذهب أحدكم للتسوق مع أبيه الجمعة الماضية فقطع “الثوار” رأس أبيك وفصلوه عن جسده فيما عرض المشهد على الجزيرة في حصاد المساء على أنه من أفعال الشبيحة..؟!
ألم يجثو أحدكم على ركبتيه خلال السنة الماضية ليعتصر آلامه على مذبح الإله ويحمل بيدين داميتين قلب أثكلته هذي الحرب راجياً معجزة سماوية تعيد لهذا القلب قليلاً من السكينة والرغبة في الحياة..؟!
لا.. لأن المثقفين منكم بأرواحهم الهشة ونفوسهم الشفافة مشغولون بتغيير “الستاتيوس” على الفايس بوك بما يتناسب وغسيل الدماغ الذي تعرضت له عقولهم المستنيرة من قبل بعض المحطات الفضائية..

****

“غرة من عبد شمس ,تملأ الليل صباحا…. وحسام يعربي الحد, ما ملَ الكفاح”
..

….
سوريا.. الوطن.. إلى حين يسود الياسمين….

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , ,

4 تعليقات to “موزاييك ثورة”

  1. زهراء Says:

    منذ بدئ “الثورة” ، أستطيع القول بأن هذه التدونية أجدر ما قرأت بالقراءة .

  2. somar Says:

    لن اطيل كثيرا في مدح ما كتبت فهو رائع جدا …
    أود القول .. للثورة قدسية ما بعدها قدسية كان هذا تاريخيا .. قبل وصول ما سمي ” الربيع العربي ” فللأسف ليس هو ربيع و ليس هو بعربي … ماذا انتج هذا “الربيع العربي ” سوا الخراب و الدمار. والقتل و … و .. و ..
    و كما اكل شيء فهناك محاسن و مساوئ … لن اقف كثيرا على مساوئ هذه الفوضى فالقائمة تطول و تطول … لكن من محاسنها انها ” ومن المفروض ” اثبتت لنا و لانفسنا اننا اصبحنا اشباح لا نملك من الإنسانية ذرة .. ليس في قلبنا ” البعض طبعا و ليس الكل” ايمان و ليس فينا شيئا من الثقافة و الوعي  …
    اسف لاننا اصبحنا ارقام قتلى على الشاشات ….
    و اسف على ارض الشمس ان يعيث بها المتشددون فسادا
    ولكن كما ذكرتي فللتاريخ الكلمة الفصل سيرحل الجميع و تبقى ارض الشمس .. و كما مر عليها الغزاة و رحلوا سابقا سيلحق الطابور الخامس بركب اسلافه …….
    شكرا لك

    • fs7atamal Says:

      هذا الحديث الذي أخذ منا ساعات وساعات في ذلك اليوم جعلني أؤيد ما قلته أعلاه حرفيا.. كما جعلني أدرك أن وجود شباب من أمثالك في سوريا مبعث تفاؤل رغم التعب والأرق والانهاك…
      شكرا لمرورك سومر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: