العقل زينة..!

قبل أن أوجه مقالي هذا إلى غرضه الأساسي سوف أوصل أفكاري من خلال حادثة مررت بها العام الفائت حيث كان ابن جيراني طفل في السادسة .. واكن من الطبيعي أن يرسل في هذا العمر إلى المدرسة الابتدائية الوحيدة في الحيّ ولكن الشيء الغير طبيعي هو أن يعود طالب الصف الأول هذا كل يوم إلى المنزل شاحب اللون , بائس الشكل و أن يشرع بالبكاء كلما جاء أحدهم على ذكر المدرسة أمامه. الحمدلله أن والديه كانا من الوعي ما جعلهما يتواصلان مع المدرسة و يزورانه أثناء إحدى الحصص المدرسية ليكتشفا نهاية أن سبب تعاسة ولدهم إنما تتمثل برعبه من معلمة الصف …إذ كانت سيدة منقبة . الخمار والعباءة السوداء مع القليل من النفعال أو الغضب تجاه بعض الطلاب المقصرين كانت أسباباً كافية لجعل الأطفال يخافون ذاك الشبح الأسود أمامهم والذين لم يحظوا بشرف رؤية شيء منه سوى العينين في أحسن الأحوال.
حادثة كهذه تتكرر أكثر من مرة كانت سبباً كافياً دفع بالجهات الرسمية هنا في سورية لأن تصدر قراراً بإقالة المعلمات المنقبات من مهامهم التدريسية و توظيفهم في مهام إدارية .. أي باختصار ” ازاحتهن من الواجهة”. هذا القرار و برغم عدم تسببه بأي ضرر مادي أو اجتماعي لهؤلاء المعلمات إلا أنه لاقى معارضة لا بأس بها في الأوساط “المتدينة” أو لربما يجدر القول “المتعصبة” في البلد. ولكي أصل إلى جوهر الحديث بسرعة … أذكر الآن مشهداً تابعته من فترة عن أعضاء في البرلمان الفرنسي يطالبون بقرار منع النقاب في أرجاء فرنسا , كانت كلمات النائبة الفرنسية بالضبط: “إن كنا نريد الإقامة في بلد واحد وإيجاد معادلة للتعايش فيه , لابدَّ لنا بدايةً أن نرى وجه بعضنا” . كان أول ما خطر ببالي لدى سماع مشروع القرار هو: لماذا لايزال مشروعاً فحسب , ولماذا لا يشرعون بتطبيقه؟! و أعترف أن الحكومة الفرنسية قد أبدت احتراماً و صبراً شديدين للمظاهر الاسلامية في دولتها , ولربما قد أصبح احترامهم مبالغاً به … إذ أرى أن ظاهرة النقاب هي أغرب اشارة تعجب لوجودها حتى القرن الواحد والعشرين.
أيعقل أن امرأة لا تزال في هذا العصر تحصر نفسها داخل حدود تلك العباءة السوداء وذاك الخمار الأشبه بالقناع برغم التحرر وااستقلالية اللتان باتت تتمتع المرأة بهما , برغم تطور الحياة اليومية و عمليتها, أو حتى لا نذهب بعيداً … برغم الحر!
أيعقل أن امرأة قد وصلت درجةً تعليميةً و ثقافيةً متقدمة و تخرجت من الجامعة … بل و شرعت بالعمل في أكثر المهن حضارةً و أهميةً و هي التعليم … أيعقل أنها لا تتجرأ على إزاحة الخمار عن وجهها أمام طلاب المدرسة الابتدائية؟!! أي درجة من التخلف هي التي تعيشها إذاً..؟
و يخطر ببالي أن أسأل عن سبب تمسكها بهذا الخمار إلى هذه الدرجة, ولا يخطر ببالي سوى جوابان الأول يتمثل في أنها لربما قد أجبرت على هذا الخيار من قبل عائلتها أو والده … أخوها أو حتى زوجها. لعل اجابة كهذه قد تثير لدى البعض الشعور بالشفقة لهؤلاء النساء كونهن مجبرات , ولكن أنا أرى أن هذه السيدة بالذات التي تسمح في عصر كهذا أن يتم التحكم بها من قبل رجل .. يدير دفة حياتها بحكم قوته البدنية , هي وحدها المسؤلة عن هذه المشكلة كلها , وعلى ما يبدو فإن كل الشهادات التي حصلت عليها و الثقافة التي اكتسبتها قد ذهبت مهب الريح . وحتى إن لم تكن متعلمةً أساساً فذاك لا يلزمها برجل يجبرها على ما ليست مقتنعةً به.
أما السبب الثاني الذي قد تنسب له هذه الظاهرة فهو قناعة المرأة بنقابها على أنه تشريع ديني … أنا لن أناقش مدى صحة هذا لا من خلال القرآن ولا السنة النبوية لأن كل طائفة و مذهب اليوم باتتتفسر القرآن على طريقتها و تروي السنة بما يناسبها . فالعورة التي يحددها البعض بالشعر يراها الآخرون متمثلةً بالوجه … بل و آخرون بالكفين والعينين و لا أدري إذاً لم خلق الله هذه الفتاة المنحوسة في حين يجدر بها تعطيل كافة حواسها و أعضاءها و تكفين نفسها بالسواد كلما فكرت بتجاوز عتبة المنزل . أولئك السيدات أو حتى الفتيات الصغيرات اللواتي هن على قناعة بأن الدين الاسلامي قد كرمهن و اختار لهن الأفضل و الأخير بما يتناسب مع انسانيتهن , لربما يجدر بأحد ما أن يخبرها أن الاسلام لم يقم فعلاً بتكريمها بل إنه لم يحفل بها قط و إنما هو اختار أسهل و أبسط الطرق التي قد تضع حداً لأي رجل بدائي يثير شكل المرأة غرائزه المقرفة التي لا يستطيع كبتها ورأى الاسلام أن أسهل طرقة لكي توقف ذاك الرجل الشهواني عن الرغبة هي بأن تختفي أي أنثى عن الوجود ,وفي حين أن الرسول الكريم لم يكن يملك في ذاك الحين تلك العباءة التي كان يستخدمها هاري بوتر للتخقي في أفلامه … فقد تم اقتراح العباءة السوداء…!
وعلى ما يبدو فإن أغلب النساء المنقبات قد تم اقناعهن بأن الخمار هو حماية لهن و آمان و لكن لعلهن لا يعلمن أن هذه القناعة الخاطئة قد أوصلتهن إلى النقيض تماماً , فإن هذا النقاب إنما جعل من المرأة كائناً ضعيفاً أكثر , كائناً عاجزاً عن مواجهة الجنس الآخر , وإن ذاك الستار الذي تخبىء وجهها خلفه إنما محى كل معالم شخصيتها و تواجدها في هذا العالم , فإن كان السبب الرئيسي للنقاب هو إبعاد هذه المرأة عن الفاحشة التي قد تقدم عليها بإظهار عورتها فذاك أكبر هراء قد يتوصلله إنسان , لأن هذا النقاب لم ولن يوقف أي غريزة قد تتحكم بأحد الجنسين تجاه الآخر بل ولربما زادها حين جعل المرأة ذاك الكائن المجهول الذي لا يستطيع الرجل النظر إليه . ولم ينفع نهايةً سوى في خضوع المرأة للرجل و خوفها منه والبقاء تحت سلطانه . فإن كانت اي امرأة تملك كل هذا الخوف من الوسط الخارجي فيجب بها أن تتوقف عن وضع هذا الكم الهائل من الحواجز بينها و بين الوسط المحيط بها من خلال القماش الأسود الذي يغطبها , وإن أرادت أن تشعر بالحماية أو القوة ربما فلا بأس في أن تتبع صفاص في الدفاع عن النفس في أي صالة رياضية في المدينة ولن يكلفها ذلك سوى 5 دولارات أو 6 في أسوأ الأحوال . ولتكف عن الانتقاص من انسانيتها و لتشغل نفسها بقضايا أكثر جوهرية من كون يدها أو عينيها قد ظهرتا أما رجل ما .
نهايةً سأقول أنني أؤيد قرار الحكومة السورية هذا و آمل أن يمتد إلى قرارات أخرى قد تساهم في منح هذه البلاد و جهاً واضحاً و أكثر تحضراً في مواجهة تحديات نخضع لها من خلال حياتنا العملية و أن نكف عن النظر إلى العلمانية على أنها كفر و إلحاد و عيب وحرام . فالعلمانية لن تجعل من المؤمن كافراً ولا من الملحد متديناً و إنما هي ستسمح بإعطاء كلا الطرفين بغض النظر عن اختلافاتهم الفكرية أو الدينية فرصة للتعايش على أرض واحدة باحترام لهذه الأرض التي لن يجلب لها اقحام الدين في أي قرار سياسي و أي موضوع اجتماعي سوى التخلف و الخراب… والعقل زينة.

Advertisements

5 تعليقات to “العقل زينة..!”

  1. هنيبعل برقة Says:

    المقالة تعالج موضوعًا خطيرًا كان يجب التعامل معه بطريقة اخرى يتمّ فيها حتمًا التخلّي عن أسلوب السخرية خاصة إذا ما مسّت هذه السخرية مشاعر العديد واستفزّت غرائزهم التي لن يكبتها لا رداء أسود كان أم شفافًا – أقصد هنا السخرية التي طالت “الرسول الكريم”.
    إذا أردت مناقشة هذا الأمر عليكِ البدء من البيئة التي فُرِضَ فيها على المرأة إرتداء العباءة السوداء. فالنبي عندما فرض هذا على المرأة كان لا بدّ له البدء من السوية الفكرية التي كانوا عليها فلا يستطيع أن يحدثهم بعفة النفس والاخلاق الرفيعة التي يجب أن يكونوا عليها وهم لا يفقهون بذلك شيئًا، أمّا عدم تتطور تفكيرهم بعد ذلك ليصل الى درجة السيطرة على الغريزة حتى لو تعرّت المرأة أمامهم فشيء لا يلام عليه “الرسول الكريم” ولا العباءة التي فرض ارتدائها. ولكن الأمر الغريب الذي يجب مناقشته هو أخذ مجتمعنا بهذه التشريعات “لصيانة وحماية المرأة” !!!! وهل المرأة بحاجة الى هذه الحماية!!!!؟؟ هل كانت زنوبيا وإليسار وغيرهما من قيادة دولهنّ الى الأمجاد والانتصارات لو كنّ يرتدين عباءة لا تسمح لشعوب دولهنّ برؤيتهنّ؟ هل كانت ” أسبازيا ” لتتمكن من تلقين سقراط الفصاحة وهي تتكلّم من خلف ستار أسود!!! الحق أقول أنّ مجتمعًا عرف التشريع منذ آلاف السنين ( تشريعات حمورابي وغيرها) لا يحتاج الى عباءة سوداء لصيانة نسائه بل هو بحاجة الى صاعقة فكرية تعيد لفت نظره الى ما يختزن من قيم حق وخير وجمال تجعل أفراده يصرفون أنظارهم عن غرائزهم وشهواتهم وتوجه عقولهم الى ما فيه خير المجتمع بنسائه ورجاله.

  2. muslimarabian Says:

    النقاب عادة تحولة الى عبادة ويجب مجابهتها بالانفتاح

  3. سليم Says:

    التحدث في مسلمات مجتمعنا عموما تعتبر كفر ..

  4. Majd Says:

    العقل زينة, الحب في زمن بترضيها لأخوكي!!
    —————————————–
    لا أرى مبررا” للهجوم الذي أراه على الدين الإسلامي… المظاهر والطقوس التي يؤديها الشعوب تبعا” لثقافاتها ليست في الأهمية بمكان أن تُهاجم من قبلك بثلاث مقالات أو أكثر… لم أكن أتوقع انسياقك وراء “موضة” السب على الدين والتهجم عليه, وإن كانت بعض الحالات المريضة للتمسك “بمظاهر الدين” تثير اشمئزازي كما أثارت اشمئزازك فأنا لم أجد ما يجعلني أستهزئ بالدين والتاريخ الإسلامي كما فعلتي.. فهذه الحالات المريضة لا تتعدى كونها مظهر تأثرت به فئة من المسلمين,
    التحرر يبدأ من العقل وليس من اللباس والحجاب والنقاب! ولتصحيح معلومة لديكِ ( انو أيام الرسول ما كان في نقاب ومو الرسول هو يلي غطا المرأة بالأسود والقصة اجتهاد من هالعلماء إنتي أكبر قدر)
    اتمنى أن أرى مقالات عن التطرف المسيحي واليهودي كما فعلتي بطرحك مقالات عن التطرف الإسلامي سواء أكان في المظهر أو في المضمون!! طلبي هذا ليس لشيئ سوى أنني أريدك أن تعلمي أن في الديانة المسيحية واليهودية متطرفون في المظاهر والعقائد كما في الإسلام وما حديثك هذا إلا عن هذه الفئة المتطرفة.. فالمعتقدات وطقوسها ليست في محل التداول من قبل شخص أو مؤسسة في أي مكان من هذا العالم فأنا لست مع قرار منع النقاب لأن هذا من حرية المرأة التي نحن من دعاتها, أما عن الحل لهذه المشكلة فيمكن أن يكون في منعه في أماكن محددة وهذا يعطي كل من الطرفين حقه!!!
    وعن العلمانية فهي قبل أن تكون “كفر وإلحاد وعيب وحرام” هي نظام حياتي متكامل وليست رفضا” للمظاهر الدينية لحساب مظاهر مغايرة, [ تركيها للآخر هي شغلة تغيير المظاهر يلي صايرة أهم من الدين نفسو عند بعض الناس]
    ملاحظة: انا لا أدافع عن هذه العادات ولا أراها صحيحة والأهم أنني لا أراها من أولى العوائق أمام التحضر…
    (مع كل التقدييييير)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: