ماهية الوطن

– في كتاب التربية القومية الاشتراكية الذي درسته في الابتدائية جاء تعريف الوطن:
” الوطن هو مساحة محددة من الأرض يعيش عليها مجموعات من البشر متآلفين، تجمعهم وحدة التاريخ والتراث واللغة والثقافة والآمال والآلام”.
لايزال هذا التعريف الأولي راسخاً فيّ بعد مرور كل هذه السنوات… واليوم أتساءل دائماً: هل يعد هذا التعريف كافياً؟ وهل يقدّم إجابة كاملة صحيحة عن السؤال المطروح؟
في الماضي أيضاً قرأت رواية “عائد إلى حيفا” للفلسطيني الشهيد غسان كنفاني- بعد التأكيد المؤكد أنه خير بل أفضل كاتب ممثلٍ للقضية الفلسطينية- وفي إحدى صفحات الرواية يطرح الكاتب سؤاله ببساطة وسذاجة (ماهو الوطن؟)
ثلاث كلمات مرّت بين الأسطر… وكأنها لم تكن هناك ثلاث كلمات تكاد صفرة الورق تمحيها…
ثلاث كلمات اختصرت نضالاً وكفاحاً بدأت قبل التاريخ، قبل فلسطين وقبل غسان حتى….. ولم تبدو الصورة الذهنية لديّ عن السؤال والتي حفظت من خلال كتاب التربية القومية الذي وضعه مؤلفون مختصون متخصصون بالإجابة عن أسئلة كهذه…
لم يبدو جوابهم مناسباً جداً تلك اللحظة…. ولكن لماذا؟
لمجرد أن الوطن لم يبد أرضاً… بل أجداداً داست فوق الأرض… أو اندثرت بها…
أو بالأحرى قضت الحياة والموت تنعجن بترابها وتتخلل مسامها ولم يبد الوطن جماعة من الأشخاص… بل فرداً واحداً، مفرداً متوحداً… لم يتشارك مع الآخرين تراثهم وتاريخهم فحسب بل شاركهم انغماسهم وانعجانهم بتراب تلك الأرض…
قد يتساءل البعض بحسب حساسيتهم الأدبية الخارقة: وهل هنالك فرق؟؟

وبالأحرى أولئك البعض يتسألون:
لماذا كل هذا “اللّت والعجن” بخصوص مسألة أكل الدهر عليها وشرب.. بل ونام وقام و….؟
وعلى هذا أجيب: لا عجب أن تطلبنا الأمر قرنين من الزمن إلى أن تخلصنا من العثمانيين… ولنحمد الله إن استطعنا خلال القرنين الآتيين التخلص من العدوان الصهيوني…
وبعد أن أجبت على استفسار المستفسر المتفلسن المنخرط في حياته العملية حتى شحمتي أذنيه مما لا يسمح له الالتفات إلى “سخافة” الأوطان هذه فليعود لـلانخراط في حياته العملية وليترك لي العودة إلى “اللّت والعجن” خاصتي….والعودة من جديد إلى غسان… غسان الذي سأل… لم يرد أي إجابة في روايته… كان هنالك فقط دموع وغصات وآهات… وفدائي… غسان لم يجب عن سؤاله… ولكنني أستطيع القول- بكل فخر- أنه وحده الذي أجاب.. أجاب حين صرنا نقول: الشهيد غسان كنفاني…
الشهيد غسان … مريض السكر… والد الطفلين … الخال… ابن السادسة و الثلاثين… لو ترحمّ الله به.. أو لو “حلّ الموساد عن سماه” … وتركه يموت ميتة طبيعية… هل كان يرضى؟؟
هل كان يتخيل لنفسه نهايةً أفضل؟
لا أحاول الإجابة عن شهيدنا ولكنني أعرفه بما يمكنني من العقل… لا ..
وذلك هو الوطن، هو أن يسعدنا حين نصاب بأذى لأجله… هو أن نحيا الحياة بأكملها في سبيل الموت على أرضه.. لأجل أرضه..
هو الملكية المطلقة لشيء دون الحاجة لأوراق تثبت هذه الملكية…
الوطن هو أسمى قضية قد تحملها وتجول بها وأنت تعرف أنها تستحق كل مشقة تبذل في سبيلها..
الوطن هو أن تستشهد في لبنان… لأجل فلسطين-كما هو حال غسان-
الوطن… هو الوقوف أمام محل الفواكه وإمعان النظر في البرتقال فيأتي صوت البائع مؤكداً: “يافاوي” … فتذكر غسان ابن يافا.. الذي هجّر عنها فخرج منها وحيداً مع أهله… وسلة البرتقال –كما ذكر في أرض البرتقال الحزين- خرج بالبرتقال إلى العالم ونثر الوطن بانتثار رذاذ كراته البرتقالية…
أجل أخرج غسان من يافا… إلى كل مكان…
لقد كانت إجابة غسان… الشهيد غسان هي الأروع… برغم تفاوت الإجابات في هذه المسألة النسبية… المهم أن يكون هنالك الإجابة… وألا يبقى السؤال معلقاً لمجرد نسبيته…
وبخصوص التعريف في كتاب التربية القومية… لن أشير إلى حاجةٍ في تغييره إلى ما هو أشمل.. إذ أننا بتنا نمرّ على الكتب المدرسية مرور الكرام… لمجرد تحصيل الشهادة وتعليقها على الحائط… بل ولعلّي سأكون شاكرة لله … أو بالأحرى للسلطات العليا… إذ أن كتاباً في التربية القومية مازال يصدر في أيامنا هذه.. وإلى غسان … شكراً… فبفضلك وبعض رفاقك بات للوطن ماهية..!

Advertisements

الأوسمة: , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: