إلى دمشق…

مايو 13, 2012

“مدوّنون سوريّون يطوفُون بأسطحةِ دمشق حيث كان الحَمامُ يسكنُ يوماً  ثم نعود أشدَّ التماساً ..لشيء كبردى كان وسيكون”

تم الانعجان التام لهذه المدونة , بتجمع ” إلى دمشق..”

http://4dimashq.wordpress.com/

.

.

محبتي

هلا

 

 

….

مايو 9, 2012

الآن.. هنا , الساعة الثانية وخمس وأربعون دقيقة يوم الخامس من أيار , تآويني جدران غرفتي التي أشبعت برائحة البارود..

الأن.. هنا , كان عليَّ أن اكتب آخر رسائلي .. أنا الكائن المرهق الموؤود المشبع بالحقد والوجع والذل , كان عليَّ أن أكتب عن الأشياء جميعها التي تشكل بمجموعها اللاشيء فقط كي أستطيع النوم الليلة..

يوم واحد ..أفقد فيه قاعة محاضراتي , صديقي , زجاج شباك غرفتي , أملي , وقدرتي على مغادرة عتبة المنزل..

عام واحد .. عام واحد على ثورة الحرية , أفقد ما تبقى من حريتي..

نظرة واحدة على كل ما حولي وأدرك.. وطني خسر قضيته , فرصته الوحيدة في ثورة حقيقية تعيد رسم ملامحه من جديد. سورياي جلست تنتظر أملها بزوبعة تضرب أركانها الأربع , فتعيد تكوينها بما يجدر بها , وطناً لا مثيل له في طول الدنيا وعرضها… فكبّرت أطفالها ليصبحوا شباباً يقاتلون لأجلها , فخسرتهم هنا , وهنا.. خسرتهم لأجل شيخ سلفي وعد أعوانه بحوريات الجنان .. ووعد نفسه بكرسي في السلطة, يخوله أن يحلل مضاجعة زوجته خلال ست ساعات من موتها…!!!

الثورة… هذا العنوان العريض الذي يخط بالحبر ويحال واقعاً بالدماء…كان عليّ مرغمةً أن أصمت فلا أقرب بهمسة مرهقة الكينونة المقدسة للفكر الثوري.. فالثورة التي لطالما زلزلت أمماً وأعادت خلقها من جديد .. كانت ولا تزال هذا الاعصار المنبعث من أرق الأرواح .. من خفقات الخوف والنقم والتعب والاحتياج, الصيحات المتفجرة من حجارة أعتق زقاق لتهز العروش خلف الجدران العالية…

الثورة..هي خلاصة ما يتمناه هذا الكائن المقهور الذي ومذ خلق , تعلم ان ينضح دماً لأجل البقاء في عالم تمتص فيه العلقات قوت روحه… هذي الثورة بكل أبعادها , هي أقدس من أن يقرب من اسمها ما يحصل اليوم في العالم العربي..

الثورة أيها “المستثار” بفعل قصيدة أو عنوان في الصفحة الأولى .. الثورة ليست هتافاً لا يرتد صداه أو رصاصة تخترق دماغ كل من يخالفك الرؤية.. والثورة ليست فعلاً مضارعاً “تفتعله” وتجلس لتتابعه من بعيد.. فالثورة قبل أن تصبح حاضراً يتوجب أن تنطلق من الماضي لترسم المستقبل.. لا أن تنفي ماضيها لتترقب وتنتظر هذا الغد..

والآن…ولأن حديثي الوحيد هو سوريا. فإن ذكر ما دعي بالثورة السورية, واستعراض صور دمشق خلال اليومين الماضيين , يجعلني أستحضر كل ما حصل في بغداد خلال السنوات الثمان الماضية , ويجعلني أدرك أن العدو الذي خسر الملايين من ثروته والآلاف من جنوده على أرض العراق ليس من الغباء بحيث يكرر خطأه مرة ثانية ويدخل حرباً تستنزف قواه..

وأن أوطاننا _دول العالم الثالث_ التي اعتادت كونها ساحة صراع القطبين الاشتراكي والرأسمالي.. تدفع اليوم غرامة كشف شعبها عن نفسه, فقد جعل أعداءه يدركون تماماً أن العربي الأصيل المنحدر بأخلاقياته العالية من قيم كالعصبية القبلية والأخذ بالثأر , لم ولن يتغير, وأن السلاح الوحيد الذي بإمكانه أن يكون أكثر فتكاً من قنبلة ذرية هو حرب أهلية يشعل شرارها فتوى طائفية من شيخ سلفي ما بحجة رفع لواء الدين الحنيف…

ولكن .. ما لا يريد تصديقه كثيرون , هو أن سوريا بلد علماني رغماً عن البشرية جمعاء , فالقارىء لتاريخ هذه البلاد الممتد إلى آلاف السنوات , يدرك استحالة قدرة جماعة من ذوي اللحى الطويلة طمس تفاصيل أرض وقفت عليها ملكتها زنوبيا مشرعة زندها الأبيض من تحت العباءة الرومانية الأرجوانية , متحدية.. هي المرأة السورية الشامخة, عرش روما لتزلزله بكبريائها… أيظن أحد أولئك المرضى أننا سنسمح له بأن يدنس عرشها!!

أرض نطقت الآرامية والآشورية والفينيقية والسريانية والأرمنية والكردية تماما كما نطقت العربية فافتخرت بمن ربّت من أبناءها سواء من أقوام ما قبل وجود الإله , أو من حفدة الأنبياء , فاحتضنت تلاميذ السيد المسيح كما احتضنت أئمة الإسلام..أحقاً يؤمنون أن بإمكانهم تهجير هؤلاء .. أو تسميم أرواح أولئك بخرافاتهم..؟

لم أصدق يوماً احتمال طرحي لهذا السؤال.. كنت مؤمنة أن هذا الشعب الذي درست معه على نفس مقاعد الدراسة, قد رسخ في ذاكرته بعضاً من وثائق هذه الأرض فيدرك على أي أرض هو.. ويدرك من أي أسلاف ينحدر..

كلا أيها السوري.. أنت لست من سلالة قريش فقط.. أنت حفيد سرجون وأليسار وجوليا دومنا وزنوبيا… أنت الذي يوقظك قرع أجراس كنيسة ماريوحنا المعمدان في آخر الشارع. وأنت الذي تقفز إلى شبابك رغماً عنك لتشاهد الدبكة الكردية تجول الشارع قبيل أي احتفال.. وأنت الذي لا تستطيع منع نفسك من الابتسام لعجوز درزية غطت رأسها بذاك الحجاب الأبيض المميز… أنت وحدك تبارك لأصدقائك في عيد الفصح ثلاث مرات في الشهر ذاته .. فيوم للأرثوذكسي ويوم للكاثوليكي ويم للأرمني..

لذا .. رغماً عنك .. أنت لست تابعاً لعقيدة أو مذهب أو عشيرة. أنت السوري.. السوري فقط, المدين لسوريا بكل ما أنت عليه , حتى الضعف والقهر والوجع.. وجميع ما يجعل منك ..أنت.

أنت الثائر.. الثائر الحقيقي, صاحب الأرض والوطن , أنت الذي حين ستفكر بضرب رجلك بالأرض ثائراً.. ستميد وتهتز تحت قدميك , وحينها لن تحتاج تمويلاً خارجياً وسلاحاً أجنبياً …

ستكون ثائراً.. يستند إلى كتف أخيه ويصعد .. ليحمل علمه. علمه الذي تعلم رسمه في طفولته وتلذذ بتلوينه بالترتيب الذي اعتاده..

ولأنك حفيد يوسف العظمة الذي خرج بثلاثين جندي ليقاتل أعظم جيش في العالم … لن تدوس رقبة أخيك وتتخطو على جثة صديقك لكي ترفع علماً مقيتاً رفعه الجنرال غول على جثة يوسف العظمة معلناً بدء الانتداب الفرنسي , لتبحث في خفقاته عن حريتك…

..

الآن .. هنا. الساعة قد واشكت الرابعة فجراً , يعلو صوت الأذان مكبراً , فيما لايزال صوت الرصاص يتردد في مكان ما في المدينة عقب تفجير كان قد وقع قبيل بضع ساعات..

والآن .. هنا. أنا الكائن المرهق الموؤود الذي شعر اليوم لأول مرة مدى غربته ووحشته.. كان عليّ أن أكتب عن الأشياء جميعها .. لا لشيء سوى لأستطيع النوم الليلة..

فبعد أن كانت الشام شآمي .. وطرطوس أمي , وحلب غرفتي وخزانة دماي وألعابي , أصبحت المدن الثلاث الأحب إلى قلبي , مخزن رصاص ينتظر أن يفرغ ثقله في شرياني…

..

..

إلى كل من ذهب بالصوت وصدى الصوت .. إلى كل من داس بقدميه بضعاً من فرح , إلى كل من أحاط بنتانته وقذارته مسحة الطهر في الأرواح.. وأغمد في صدر الحرية نصل ألف سيف مسموم .. : اقرأ التاريخ.. فأنت وحدك إلى الجحيم .. وسوريا .. الأبقى .. الأقدس .. الحرة مذ وجدت…

****

خاتمة : شهر واحد .. وتتمم هذه المدونة عامها الثاني

عامان .. كانت لي “لولا فسحة الأمل …!” منبراً لكثير من الهذيان.. هنا نضجت كثيراً وأدركت كثيراً وتعلمت كثيراً وقابلت كثيرين ممن يتوجب عليّ لربما شكرهم..

سمر عبد الجابر… التي لم تكن هذه الفسحة لتتواجد لولا دعمها لي منذ عامين..

مي سليمان.. التي أعادت لي بعضاً من رمقي خلال هذا الشتاء الطويل , وبثت في هذه الفسحة كثيراً من روحها الجميلة..

وعموماً فإن شخصاً يلخص وجوده بقلم وبضعة أوراق, يؤمن أنه يخط قدره بيده , ففخري أنا لعنة الكتابة هذه..

ولكن الدرب طويل جداً , وأنا سيكون عليّ أن الارتحال طويلاً قبل أن أعود وأخبّر..

لذا النص أعلاه هو آخر ما سينشر في هذه الفسحة… وستغلق هذه المدونة تماماً..مع ثقتي التامة أني سأجد لي فسحة أخرى , أخلد فيها وبها..

محبتي

هلا

 

بيلسان.. على هامش النغم..

أبريل 20, 2012

يا زمان.. يا عشب داشر فوق هالحيطان..

السابعة صباحاً… أرخي رأسي على شباك الحافلة.. الحافلة ذاتها التي تنقلني يومياً مسافةً لا تقل عن نصف ساعة من مركز المدينة إلى أطرافها, وعودة..
أمر بالشوارع إياها.. ألتحم معها في عناق صباحي مطول , إلى أن تختلط أضلاعي بأرصفتها وأسوارها وحجارتها…
لم أدرك قبل حكاية عشقي لهذا المكان.. أذكر أني لطالما كرهت هذي المدينة بأكملها, شتمتها, تمنيت أي طريق للهروب دون عودة..
يرفع السائق الصوت , وسواء أدركت النغم أم لا .. لا يهم. الصوت الوحيد الذي أسمعه هو صوت فيروز والأغنية ذاتها في رأسي منذ شهور ولا شيء سواها..
يتسرب اللحن الرحباني ليخلع عن المدينة زيفها وسكانها وتلوثها وقبحها.. يختلط النغم بتفاصيل المكان.. يجبرني أن أعشق هذي الأبنية المعتقة والأرصفة المتهالكة.. الحجر الذي يجالسه عاشقان.. السماء الساكنة أبداً.. أفق البيوت المتزاحمة شبه المتهالكة…
أعلم يقيناً أن إلهاً ما يسكن التفاصيل…
ضوي قناديل وانطر صحابي..

أجالس زاويتي المعتادة بصمت… وأقنع كبريائي بأني أنا من اختار هذا الصمت..!
أحاول أن أنصت في الزحام للنبض المنبعث من جوف الأرض…الصرخات العالية تصم إذناي لدقائق معدودات قبل أن تبتلعها الرياح, صيحات مؤرقة لمن ظنوا أن بإمكانهم إسكات الهمسات المنبعثة من صميم هذا الوجود..
ولكن, في كل زاوية أو درج أو شرفة ومن كل مخبأ.. ورغم الأيدي المبتورة والظهور المثقلة ونبضات القلب المنهكة التعبة.. هناك من يدندن لحناً أو يتلو قصيدة أو يرسم لوحة أو يضيء عود ثقاب..
ولكل منهم قصته ليتلوها.. لأجد نفسي أصغي للحكايات .. بشغف لا شفاء منه..
أخبرني مرة صديقي الذي غادر أفقر أحاء المدينة وانتقل إلى أوروبا..أن الحنين إلى الوطن في المغترب أهون من أن تحن إلى وطنك وأنت مقيم فيه..وأخبرني أبي أن عالمنا حقير تحكمه شريعة الغاب..أخبرني البرغوثي أن : “الأمل ذروة اليأس يا صاحبي”.. وأخبرني التاريخ أن الأشياء جميعها تدور حول الأنا.. وأن الإنسان يحيا لأجل كبرياءه فحسب..
الأنا في مواجهة الفقر.. أنا في مواجهة القدر ..أنا في مواجهة أبي الذي راهن على فشلي..أنا في مواجهة دعوات أمي .. أنا في مواجهة شهواتي .. أنا في مواجهة من يسلب حقي .. أنا في مواجهة العالم كل صباح في محاولة للبقاء..
أخبرني أحدهم أن طلال حيدر كتب “وحدن بيبقوا” إلى شبان اعتادوا المرور بشرفته قبيل استشهادهم في عملية فدائية..
..
..
..
اللحن مؤلم للغاية .. إلا أنه جميل..
ومنذ أن كنت صغيرة جداً أقنعت نفسي أني أكره هذا العالم.. وأن المحاولات اليائسة لا نفع فيها .. كرهت الربيع ولازمت صباحات كانون. ومازلت حتى الآن أرى أن جميع المبادئ والأخلاقيات والخطوط العريضة هي محض هراء وأن عالمنا يعج بالقبح والقذارة..
إلا أنني على يقين أن كماً من الجمال مازال يسكن الأشياء.. وأن الأغنية المرافقة لفنجان القهوة صباحاً .. الفيلم الذي شاهدته البارحة والشخص الوحيد الذي أسند رأسي إلى صدره كل ليلة ..جميعها قادرة على جعلي أثق بالغد.. بالحق .. بالوطن .. بالحب .. وقبلها جميعاَ, بالإنسان..

كمشة ملاحظات:
1. أختي الصغرى ترجوني منذ فترة أن أكتب شيئاً تستطيع فهمه أو شيئاً لا تجده مملاً..
صدقيني .. الهذيان أعلاه محاولة لفهم الأمور لربما تتمكنين أنت في عمري من الكتابة عن الربيع والحب والحياة..
2. يوماً ما سيكون لي طفلة بعينين لوزيتين خرافيتين وسأدعوها بيلسان..
3. مازالت هذي المدونة تحاول التخلص من مسحة الكآبة.. أحاول جهدي ولكن الأمر أصعب مما يبدو..

عن الوطن حين تجلى..

مارس 10, 2012

أفق الصنوبر المستحي خلف خصلات الغيمة التائهة.. يفجع النهار بجماله .. ويؤرق المغترب في وطنه..!
الدرب المترنح بين نشوة الكرم , قدسية الزيتون , سكرة روائح البرتقال والليمون , وكل ما يجبرك على إغلاق عقلك في وجه قبح البشرية ورذائلها وتسليم حواسك أجمعها لزبدة الحياة مختصرة في فراشة ملونة تتبعها فيما تقودك في أروقة الجنة…
على امتداد بلاد الشام.. أرض عذراء تتجرد بوجودها عن العالم بأسره..
السادسة والنصف صباحاً .. تحتضنني صخرة على منعطف جبلي تظلله شجرة لوز. يطالع نظري منزل حجري يقابله تنور… سيدة في خريف عمرها تفرغ من جعبتها قطفتا حبق وزعتر بري ستضيفها لاحقاً لما تخبزه من فطائر … يدان سمراوان صلبتان رغم هرمهما, بدا أن الطبيعة قد تركت فيهما من الآثار بقدر ما تركته السيدة فيما حولها..
في تفاصيل السيدة القروية من الطبيعة الأم مايجعلها أكثر قدسية من أي كائن على وجه البسيطة … الشال المزركش المرخي على أكتافها , الوطن المرتسم في جبهة سمراء وشفتين حازمتين .. الأيام التي أرخت ثقلها على جفنين مسهدين .. الثوب الذي طويت أكمامه لأعلى الساعد فيمام انشغلت اليدان بهجن خميرة الفجر وجبلها بعصارة الأرض.
الضباب يطبع المشهد بسريالية صارخة..
النسمة مرت تداعب الأوراق, تتخبط مثقلة مشبعة , تعصف بخلاياي وتتركني ساكنة ككل الأشياء حولي .. أضغي لأسمع الأغصان والجذوع والحشرات والماء المتفجر من أعماق الصخر .. فمن هذي الجبال ينضح ماء طاهر يبارك هذي الحياة..
موسيقى إلهية تبدعها الريح على أوتار الأرض , جبهة الجبال تواجه التاريخ , الألوان الزيتية التي تفترش الوادي أمامي قطعة من الفردوس خلودها في كوكب القذارة هذا يتهكم بالآلهة…
ثمان أشهر مرت على وجودي هنالك , والمشهد ما زال يؤرقني. طريق العودة لا يستغرق أكثر من ثلاث ساعات, ولكن الرجوع يبدو مستحيلاً.. لأننا غالباً نمر بالمكان مرة واحدة.. مرة واحدة فحسب..
..
..
..
يعلو صوت المحاضر تتلوها دقاته على الطاولة تعلن نهاية محاضرة الكيمياء الصناعية..:
“نهاية.. فمن الجدير بالذكر أن بعض المياه المعدنية تحوي على بيكربونات الصوديوم والليثيوم المفيدة جداً من الناحية الصحية كالمياه المعدنية في ينابيع مدينة دريكيش في سوريا”
.. أجل.. من تلك الجبال يتفجر ماء طاهر يبارك هذه الحياة…

محاولة رقم اثنان…

مارس 10, 2012

محاولة رقم اثنان: مخابرة إلى فرانكفورت:

من فرانكفورت: كيف الحال؟ كيف هي سوريا؟
من سوريا: _ جميعنا بخير والحمدلله…. يبدو أن الأمور ماضية نحو الأفضل إن شاء الله.. لم يحدث أي تفجيرات هذا الأسبوع , مجرد تبادل اطلاق نار… بصراحة تم تفجير قنبلة في حي قريب ولكن الحمدلله كانت قنبلة صوتية ولم يحدث الكثير من الأضرار. وعموماً بإمكاننا إغلاق الأبواب والشبابيك والاختباء داخلاً, وإن بدونا أحياناً كمن يختبىء من الحياة, لكننا نأمل أن الوضع مؤقت..
الحمدلله نحن بخير.. مازالت الكهرباء تقطع ست ساعات يومياً ولكن والحمدلله تمكنا أخيراً هذا الأسبوع من ملىء خزان المازوت وعادت التدفئة إلى المنزل, والحق يقال كنا محظوظين هذه المرة فلم ننتظر طويلاَ. ولكنهم يتحدثون عن فرض عقوبات اقتصادية جديدة من قبل أوروبا ولا أدري إن كان الأمر سينتهي على خير.
الفصل الدراسي بدء ولكن للأسف معظم الطلاب ممن هم خارج المدينة لم يستطيعوا الوصول بعد لأن جميع الطرق الرئيسية مغلقة. بعضها أغلقها الجيش لانشغاله بمناورات مع العصابات وبعضها الآخر أغلقها ذعر السائقين والمسافرين من هجمات الارهابيين…
صديقنا الذي خطف الشهر الماضي لم يعد بعد.. يقول البعض أن عصابات الجيش الحر اختطفته لمشاركته في مسيرة مؤيدة للنظام , فيما يقول البعض الآخر أن الأمن اعتقله لأنه رفض التعامل معهم… والدته لم يستطع أحد فهم ما تقول لأنها كانت تجهش بالبكاء ولكنها أكدت مراراً أنه فقد قد خرج لشراء البيض للعشاء… والده يهز برأسه فحسب مؤيداً: خرج فقط لشراء البيض.. ولم يعد بعد..!
عموماً نحن بخير والحمدلله… ما أخباركم؟ كيف هي ألمانيا؟

_ جميعنا بخير والحمدلله… البارحة توقف هطول الثلج, فخرجت للتسوق. التقيت جارنا العجوز وهو ينزه كلبه. مازال مصمماً أنه يتوجب علي تعلم ركوب الدراجة. لربما يتوجب علي ذلك فالجميع هنا يتنقل باستخدام الدراجة…
اشتريت أصيص زهر, بدا رائعاً , وبيورو واحد . وهذا أمر أيضاً توجب علي فعله , فالناس هنا لا تتوقف عن شراء الزهور والنباتات في أي فصل… الورود _كما الكلاب هنا_ في كل مكان.. على الشرفات ومداخل البيوت وواجهات المحال , كلٌ متوافر في موسمه.. التوليب والأوركيد والأكاسيا.
موسم التوليب يقترب , وبدأ الناس بشراء بذوره وزراعته لكي ينبت الآن ويتفتح مع بداية الربيع.
يبدو وكأن الناس تريد استقبال الحياة بشبابيك مشرعة بل ومزينة بالورود أيضاً.
زرت البارحة جارتنا العجوز.. مريضة السرطان .. انتقلت كثيراً مؤخراً بين المستشفى والمنزل ولكنها تبدو صامدة هادئة , و رغم أن المشهد كان ليبدو كئيباً فهي مريضة ووحيدة مع زوجها, إلا أنها مازلت قادرة رغم مرضها على أن تجد ما يشغلها .. فالكتب مثلاً ترافقها حتى إلى المستشفى….
مواضيع الكتب هنا مختلفة أيضاً.. روايات عاطفية أو درامية, كتب رحلات واستكشافات, أناس ترتحل وتغامر وتعود لتكتب وتخبر… لا أدري إن كنت سأجد كتاباً عن الظلم والقهر والفقر والصراعات الطائفية القبلية السياسية في بلد تعيش على صناعة الشوكولا وزراعة الورود وتنزيه الكلاب..
كم لديك من الوقت؟ أترغبين أن أحدثك عن أنواع الشوكولا هنا؟

محاولة رقم واحد..

فبراير 29, 2012

محاولة رقم واحد.. : السجن..

” _وهل يستطيع أن يكتب إلا في الموضوع الذي عاشه وعرفه عن ظهر قلب؟
للحظة لم يستطع الدكتور ميلان أن يستوعب الأمر, قلت بنفس السخرية:
_يمكن للآخرين أن يكتبوا في مواضيع عديدة: مثلاً : عن الحب في ضوء القمر, عن تسلق الجبال , أو كيف تصبح ثرياً وسعيداً أما نحن فقد تخصصنا في موضوع واحد , ولا نستطيع أن نتركه , لأنه لاصق بنا , علامة فارقة لنا, عنوان لعصرنا الذي نعيشه..
ولا أعرف كيف أصبح وجهي أو ماذا قالت عيناي , فقد لاحظت أن الدكتور ميلان يضطرب في كرسيه, وقد قالت ملامحه أيضاً ذلك. قلت وأنا أنظر إلى السقف:
_الموضوع الذي يشغلنا هو: السجن..”

****

” قلت لرادي , وربما شاب صوتي حزن لم أستطع أن أخفيه:
_أعرف أن في الحياة مسرات كثية ومتنوعة, ولا بد أن يتمتع بها الإنسان بدءاً من السيجارة الأولى مع قهوة الصباح, وانتهاءً بقدح الكونياك مع المرأة التي يحبها في الليل المتأخر, وبين المتعة الأولى والأخيرة, هناك كفاح الانسان من أجل العيش والصداقة والشجاعة والمودة ومن أجل قيم يؤمن بها, وهي التي تعطي للحياة معنى, وهذا ما يجعل حياة الانسان أكثر صدقاً وفائدة.
توقفت, زفرت بحرقة, ثم تابعت الاعتراف:
_لكن شرط هذا كله يا عزيزي رادي الاعتراف أولاً بالإنسان, وهذا الشرط لا وجود له في بلادنا الآن, ولذلك فنحن لا نحس بهذه المتع , أو لا نعرف كيف نتمتع بها! ”

****

” وبعد أن انتهى , وبطرقة لا تخلومن كبرياء وافتتان, ومثلما يفعل نبلاء عصور مضت وفرسانها , وهم يدعون السيدات لرقصة الفالي, حرك جسده كله: مد يداً سخية جسورة إلى الأمام, وأحكم الأخرى وراء ظهره , مشيراً إلى آنية الزهور.
وبهدوء مثل نسمة , بدأ يتراجع ووجهه نحوي , وابتسامته تملأ الغرفة كلها. زكما يفعل كل مرة , وهو في اطار الباب , من الخارج, قال: إلى اللقاء مع زهور أخرى!
انها الحياة, هذه الزانية, التي لاتخلو قط من فتنة وطيبة وروعة!
ووجدت صوتي يهدر وتخرج الكلمات رغماً عني: وكم فيها من قسوة وخسة!”

****
عبد الرحمن منيف /الآن ..هنا

ريح!

فبراير 29, 2012

..
..

اسماعيل شموط

تناثري

فبراير 29, 2012

سيري ولا تُعاتبي لا ينفعُ العتـاب
ولا تلومي الغُصن والرياح والسَّحاب
فهي إذا خاطبتِها لا تحسنُ الجواب
والدهرُ ذو العجائب وباعث النوائب
وخانق الرغائب لايفهم الخطاب
سيري ولا تُعاتبي

“مخائيل نعيمة”

موزاييك ثورة

فبراير 29, 2012

أتعبني صمتي في أحد عشر شهرا مضى .. لأنني في وسط الهرج والمرج ومعمعة هذي الضوضاء المؤرقة لم أفعل سوى افتراش سوريا والإصغاء إلى صوت الألم في جوف هذي الأرض..

****

أردت فكرة سعيدة.. أي فكرة بوجه إيجابي. نقبت و”بحبشت” وبحثت وبحثت وبحثت عن الفكرة السعيدة.. وكأن التالي بقلم الرصاص على الورقة المصفرة:”.. الشعب السوري يستحق الاحترام لأنه(بشقيه المؤيد والمعارض) وقف ودافع عن مبدأه حتى آخر رمق..”
كلا..
كلا..إن الشعب السوري (بشقيه المؤيد والمعارض) والذي عايشته يوماً بيوم منذ بدء هذه الأزمة.. هذا الشعب هو عاري, وعار سورية منذ أن أصبحت سوريا, لأن فكراً مريضاً جعل إيمانه الوحيد وعقيدته المقدسة ومبدأه الذي يستحق الكفاح والموت في سبيله هو الطرف الطائفي الذي عاضده يوم نشأ خلاف بين الخلفاء الراشدين منذ حوالي 1400 عام..!
فكما بالأمس بنوا الدولة الاسلامية العظمى على جثة حفيد رسول الله , اليوم سيبني “ثوارنا” سورية الحديثة .. سوريا الكرامة و “الحرية” على أشلاء السوريين الذين تلون العاصي بدمهم لكي ينعم “ثوارنا” بالسلطة..!
..
..
شكراً للتاريخ

****

عزيزي المراهق الثورجي الذي نال الشهادة الثانوية البارحة فحسب لكي يصبح اليوم “جيفارا الثورة السورية” اسمح لي فقط أن أذكرك أنك في سنوات تعليمك الثلاث الأخيرة “على الأقل” كنت تفوت حصة التربية القومية الاشتراكية لتستطيع تدخين سيجارتك في الفناء الخلفي للمدرسة. فلو أنك حاولت حضور إحدى تلك الصفوف لعلمت أن العلم الذي رفعته البارحة عوض علمنا السوري هو علم الانتداب الفرنسي..

****

وانطلاقاً من رغبة ثوارنا في إعادة بناء سوريا من جديد: فالحافلة المنتقلة من شمال سوريا إلى جنوبها لم تمر اليوم بحمص أو حماه ولم تقطع جسر الشغور.. توقفت مراراً على الكثير الكثير من الحواجز.. وفي مدخل القرية , حيث تطل شامخة المدرسة المسماة باسم البطل الذي استشهد في حرب الاستنزاف التي خاضتها سوريا ضد اسرائيل لم يبدو المشهد مصدر فخر وبهجة كما كا ن دوما بل تبدل بمشاعر الحرقة والغيظ فيما يلي المدرسة منزل أمجد.. صديق الطفولة الذي استشهد على يد قذر متطرف لم يفقه للثورة معنى ولم ير لها وجها سوى ما جعله هو وأمثاله حرباً أهلية كان ضحيتها شاب أعزل في التاسعة عشر من عمره لأنه خالفه العقيدة.

****

أنا أيضاً أردتها ثورة .. أقسم أني أردتها ثورة تطيح بكل ما دنس تراب سوريا من فساد وقبح وقذارة..
رفضت تماماً أن ترفق سوريا باسم الأسد لقناعتي أن الأسد ليس من صنع سوريا وإنما سوريا _ومنذ أول التاريخ_ هي التي صنعت الأسماء جميعها.. فزبوبيا, سرجون, الأمويين , العباسيين , الحمدانيين, يوسف العظمة , ابراهيم هنانو , محمد علي العابد , الياس خوري , الحزب الشيوعي والقومي والديموقراطي وحزب البعث بل وحتى نزار قباني وأدونيس والماغوط..
لكن جميعهم مضوا وستبقى سوريا.. ولأنها التاريخ فستكون الغد .. ولأنها الغد, فسوريا بحاجة إلى الشرار الذي يغسلها ويعيد ألقها.. ولهذا , فأنا أردتها ثورة..
ولكن كذبة ما ابتدعها البعض وصدقها , لا يمكن أن تكون ثورة.. لأنها ليست ثورة .. أقسم أنها ليست كذلك..

****

رؤى زيات , حلا كامل , سمر عبد الجابر , مي جان , هيفين عمر , فيصل الحاج :
ألم تمعنوا النظر في سوريا مؤخراً..؟!
ألم تستيقظوا الاسبوع الماضي على صوت تفجير السيارة المفخخة قرب منزلكم وتشهدوا الأشلاء الدامية المبعثرة؟!
ألم تروا بأعينكم فرار سيارات “الجيش السوري الحر” وتبعثرها في أنحاء المدينة فيما أعقب التفجير؟!
ألم يشهد أحدكم جنازة الوطن يوم وصل صديقك مقطعاً إلى أشلاء ومودعاً في صندوقٍ بناءً على فتاوى شيخ سلفي ما.. فيثأر “ثوارنا” الارهابيون ممن خالفهم الرأي أو الطائفة..؟!
ألم يذهب أحدكم للتسوق مع أبيه الجمعة الماضية فقطع “الثوار” رأس أبيك وفصلوه عن جسده فيما عرض المشهد على الجزيرة في حصاد المساء على أنه من أفعال الشبيحة..؟!
ألم يجثو أحدكم على ركبتيه خلال السنة الماضية ليعتصر آلامه على مذبح الإله ويحمل بيدين داميتين قلب أثكلته هذي الحرب راجياً معجزة سماوية تعيد لهذا القلب قليلاً من السكينة والرغبة في الحياة..؟!
لا.. لأن المثقفين منكم بأرواحهم الهشة ونفوسهم الشفافة مشغولون بتغيير “الستاتيوس” على الفايس بوك بما يتناسب وغسيل الدماغ الذي تعرضت له عقولهم المستنيرة من قبل بعض المحطات الفضائية..

****

“غرة من عبد شمس ,تملأ الليل صباحا…. وحسام يعربي الحد, ما ملَ الكفاح”
..

….
سوريا.. الوطن.. إلى حين يسود الياسمين….

لولا فسحة الأمل…!

فبراير 29, 2012

الأشياء جميعها باتت سواء
لذا توجب أن أعود…